قراءة نقدية لكتاب ” مَسّ “

 

 

 

(( مسّ )) .. إبراقات تضيء خيال القارئ 

قراءة الناقد الأستاذ / سهيل نجيب مشوح
مجلة ” الجيل ” – عدد ( 662 )
هو مسّ الكتابة وغواية الحروف التي تتلوّى كالهيولي أمام المبدع، فيجمعها مشفقاً ويحوّلها إلى كلمات ذات صدى . ويصوّبها كالسهام إلى ذاكرة المتلقي لتنفذ في وجدانه دون ألم .. » حين تكون عميقاً وكلّ من حولك سطحيون، فلا تعجب حين يخوضون فيك وهم رافعو أطراف أرديتهم خوف البلل «.
والمسّ الذي يعانيه الغزي عبارة عن أسئلة مشاغبة، وعلامات تعجّب مفعمة بالشكّ والحيرة، هو أيضاً برقيات ورسائل عاجلة، وقصص قصيرة جداً، وقصائد بلا عاطفة أو تكلّف ولا موسيقى، ورؤى صافية تخلو من الفلسفة والرموز القلقة. هي مجرّد حروف بسيطة متناغمة تنبت من الكلام ما (قلّ .. ودل)، كما يتساءل في شيخوخة حب: » هل للعشق عمر؟.. أو تاريخ صلاحية ؟.. هل يشيخ الحبّ حين تشيخ الأبدان ؟.. الحبّ لا يٌفهم، بل يعاش «. ورغبة الغزي في التفرّد بخلطته الكتابية الخاصة؛ تدفعه لأن يرشّ مسّه بقليل من السفسطة، كقوله : » مريع أن يوأد الإحساس في مهده!.. أفضل من أن يُغتال في عنفوانه، فالوقع يكون أخف«. ويتلذّذ بنشر بياضه غير المرغب فيه على حبال القراءة، ليظفر بالجواب الشافي.. » رباه.. أذهب العمر مني، أم سرق؟ / ليس الشيب هو ما يخيفني، بل سرقة الأيام لأعمارنا ونحن لا ندري«.
ورغم الحكمة والعقلانية التي يتحلّى بها الكاتب، إلّا أنه لا ينجو من مسّ الإحباط واليأس، وغواية الكراهية، وسلطة المشاعر الإنسانية وديكتاتوريتها، فيقول:» ما أشدّ كرهي لهذا الرجل، أعجب كيف تطيقونه !.. لكلّ منّا مطلق الحرية في توجيه مشاعره أينما شاء.. لذا؛ فضلاً دعنا نحب من نشاء بهدوء، وبدون أن تشعر بتأنيب الضمير وكأننا اقترفنا جرماً !«. كما يبوح الغزي بهلوسات أخرى، وهو بكامل يقظته !. ويطلق إبراقات تضيء خيال القارئ الذي تستهويه الكلمات المنتقاة وتمطر سكينته بالقلق: » يربطون الغربة بالديار، ويرونها في الارتحال عنها بعيداً، ويجهلون أن أسوأها تلك التي تتملكك وأنت في وطنك وبين أحبابك. حين تكون غريباً عن نفسك، ونفسك غريبة عليك !.. هي الغربة الحقة، التي تجهل فيها ذاتك، والتي تبحث فيها جاهداً عن نفسك فلا تكاد تجدها، وحين تجدها تنكرها، وكأنها لا تمت لك بصلة« .
ويخرج الغزي من مسّه بومضات مشرقة غنيّة بالحكمة والتجربة، فيرى أنّ: أجمل الأحلام.. الذي لم يتحقق. وتعريف الغزو الفكري الحديث هو.. مواكبة العصر. ولكي تقهر خوفك.. أقدم عليه. والمحروم هو.. من يملك كلّ ما يشتهي ولا يستمتع به. والألفاظ.. لمسة جمال تخفي قبح المعاني. والحياة البسيطة.. هي أن تتعامل مع الناس ببساطة لترتاح وتريحهم. وتفكير القطيع.. هو منتهى الغباء لأنك تسلّم عقلك لغيرك ليفكّر عنك. والإنسانية .. هي التي تجمع البشر على هذا الكوكب حين تفرّقنا الحدود والأديان والمطامع. وقيمة المرء ما يحسن.. تعني من لا يحسن شيئاً في الحياة فهو لا شيء. والخيبات.. دروس.
كتاب الغزي شكل جديد من الكتابة، يستهوي شرائح كثيرة من القرّاء بنصوصه الموجزة، وعباراته الرشيقة، وثراء مضمونه. وقد أخذ هذا الشكل طريقه إلى ذائقة المتلقّي مع تطوّر وسائل الاتصال الحديثة، وصدر للكاتب من قبل: (قلوب لا تنبت الحب / 2013م – سمفونية عشق / 2014م).

 

مشاركة التدوينة:

إضافة تعليق

أحدث التعليقات

تصنيفات

الأرشيف