البريئةُ .. والذئب

 

 

 

كانت صغيرة ، قلبها بكرٌ لم تهتكهُ بذرة عشق . أحلامها في الحب كبيرة ، وآمالها أكبر . البراءةُ كانت تصور لها هذا العالم الجديد وكأنهُ جنة . بكل الاندفاع كانت تركضُ للحبِ ركضاً ، تتخبطُ بين أروقته ، تبحثُ فيه عمن يحققُ أحلامها الوردية . الفارس الوسيم المعتاد ، على جواده الأبيض .
لم تكن تدرك أن هذا الفارس هو كذبة كبيرة لا تخدع إلا الحمقى . لم يعد في الحب فرسان ولا نبلاء . قد أُمتهنَ حتى أصبح للرعاع ، و دُنسَ وتنجس
جاءت تقودها براءتها حتى وقعت كالحمامة البريئة في شباك صيادٍ محترف . صيادٌ يعرفُ من أين تؤكل البريئات . من قلوبهن لا من أكتافهن !
كل مآسي الحب تقع حين لا تتساوى الكفتان . حين تميل كفة الخبث على السذاجة . وحين يفترس أحدهما الآخر بأنيابٍ من حب .
أدخلها في عالم الحب الذي كانت تبحث عنه ، واعداً إياها بكل ما كانت تحلم به . صوّر لها المستقبل وكأنه جنة ، والحاضر عملٌ صالح يقودُ لتلك الجنة
تجرد لها من الأطماع ، وجاء لا تسترهُ إلا مشاعره .أو هكذا أوهمها . أتى عاشقاً ، مستهاماً ، مستسلماً ، مطواعاً . أتقن دوره حتى كاد يصدق نفسه !
أما هي، تلك البريئة، فقابلتهُ أن تجردت من كل محاذيرها، وأسقطت حواجزها، وأرخت له الأستار، وقالت : هيت لك !
لم يكن بحاجة لقميصٍ يقدُّ من دُبر
فقد كان مُقبلاً ، مندفعاً ، فاللحظة قد حانت ، والفرصة قد لاحت ، والثمرة قد أينعت ، وبثقلها قد مالت حتى تدلت ، ودنت ، وصارت أقرب ما تكون
قضمها القضمة الأولى فآلمها الندم ، لكن الحب أنساها سريعاً . تضاءل هذا الندم حتى أصبح تافهاً ، مرفوضاً ، لا داعي له ، كالنكتةِ في مجلس عزاء
توالت القضمات ، حتى أتت على براءتها . وفي يوم استيقظت على صفعة رحيله . هكذا بدون مقدمات، ولا سابق انذار، وبدون كلمات وداع ، ولا وجهة محددة .
ايقنت لحظتها أنها لم تكن تحلم ، بل كانت حقيقة من بشاعتها لا يمكن تصديقها ! .. أيتهاوى الحب فجأة ؟ .. أيسقطُ سقف أحلامها على رأسها ؟
وفارسها ذاك ، أكان ابتلاءً وسيماً ؟ .. هل كان كابوساً لم يُدرك إلا بعد الاستيقاظ منه ؟ .. أهو الجانب السيء من الحب ؟ .. أم الحب كلهُ أسود ؟
لا يهم .. المهم أنها تتعافى الآن . ولن تموت ..
فقط هي براءتها التي ماتت ، وأحلامها التي كانت بلون الورد ..
وظنها الحسن . وثقتها بالناس ..
ونظرتها للدنيا .. ورضاها عن نفسها ..
أما الحب . فلم يعد غايةً . بل صار وسيلة .. فهي منذ اللحظة قد انقلبت ذئبةً تبحثُ عن خرافٍ أبرياء !

 

 

 

مشاركة التدوينة:

إضافة تعليق

أحدث التعليقات

تصنيفات

الأرشيف